بين « استبداد » الكواكبي و »طبائع » مجتمعاتنا… هل ثمة أمل ؟

 

لا تملك حين تقرأ « طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد » لعبد الرحمن الكواكبي أحد روّاد النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن تُصاب بالدهشة والانبهار وأنت تَتَبّعُهُ وهو يشخّص أسباب تخلّف مجتمعاتنا العربية قبل أكثر من قرن ونيّف.
تشتد حماساً إلى درجة الاعتقاد بأن الكواكبي لا يزال جالس بيننا وهو يتابع بلداننا وشعوبنا كيف تتآكل يوماً إثر يوم تارة باسم الدين وأخرى باسم الممانعة وثالثة باسم الأنظمة العسكرية، حيث تقرأ هذه الجملة في كتابه « في عهد الاستبداد تتحول الأخلاق إلى مجموعة التقاليد التي تهدف إلى ترسيخ واقع القهر والتمكين له »، لتبدو جميع هذه الأنواع من أنظمة الحكم مجرد أشكال لمطرقة واحدة، هي « مطرقة الاستبداد » التي تشتد على صدور أبناء هذه المنطقة. فالظلم الذي عانى منه الكواكبي في مدينة حلب، لحقه إلى القاهرة التي توفي فيها في ظروف غامضة، فلا هوية محددة عند الكواكبي للظلم ولا حدود واضحة للفساد ولا أرض بعينها مخصصة للقمع، ولذلك عندما عرّف الاستبداد قال عنه بأنه:  » تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف ولا تبعة » دون أن يحدد جغرافية بعينها.
ولم يكتف عبدالرحمن الكواكبي بتحديد وتفكيك الاستبداد، بل دعا بوضوح إلى ضرورة التخلص منه، وهو في دعوته تلك، لم يكن يخص أهل حلب التي ولد ونشأ فيها فقط، ولم يكن يشدد في ذلك على أهالي مدن الحجاز ونجد أو بغداد، كما لم يكن يعني فقط القاهرة أو الرباط والجزائر أو أية مدينة في بلاد المغرب العربي، بل كان يسعى لاستنهاض كل هؤلاء باعتبارهم نسيجاً ممتداً لأمة طال غرقها في الانحطاط الذي ترسخ لقرون بين ظهرانيها.
ما أدركه الكواكبي في وقت مبكر ـ وهو محق فيه ـ، هو مدى تشابه بنية مجتمعاتنا العربية ضمن منظومة كلّية من القيم والتاريخ والدين والثقافة، حيث وعى تماماً فكرة القواسم المشتركة العديدة في حوامل هذه المجتمعات، ولذلك وصفها بأنها ونتيجة للاستبداد قد أصبحت « مجموعة عميان، لا يميزون، لأنهم أرادوا التسليم أهون من التبصير، والتقليد أستر للجهل ».
مرّ أكثر من قرن على وفاة الكواكبي، والعالم العربي لا يزال ضائعاً يبحث عن نفسه، ولا تزال أمّة العرب تائهة بلا أية رؤية نحو مستقبل واضح لأجيالها اللاحقة، بل إنها أصبحت أكثر تشتتاً مما كانت عليه في زمنه، ومعاناة شعوبها من الاستبداد والجهل والتبعية ازدادت عما كانت عليه في عهده، والتدخل الخارجي في شؤون حياة بلداننا وشعوبها يعيش الآن في عصره الذهبي وقد تحول بفضل الاستبداد إلى أمر واقع.

استبداد1.jpg
ومن هنا، فقد فنّد الكواكبي أهمية الافتقاد لطعم الحرية لدى شعوبنا العربية، فنراه وهو يشدد على أنه لا قيمة لأي حراك تجديدي في بنية المجتمع بعيداً عن حضور الحرية والمعرفة ويقول في ذلك: « الحرية أن يكون الإنسان مختاراً في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم… وإذا فقد الإنسان حريته يسأم حياته فيستولي عليه الفتور ويصيبه الخمول فتتعطل فيه كل إرادة للعمل والإبداع ». واستناداً إلى هذا التعريف الجارح والمحفز في آن، فإن الحرية التي ينشدها أبناء هذه المنطقة منذ انطلاق شرارة ثورات الربيع العربي، تبقى الوسيلة الأهم للمضي في ثقافة التطور والارتقاء والتحول إلى جزء مشارك في الحضارة الإنسانية لا عالة عليها.
ولأن الحرية لا تأتي بدون معرفة فقد حرص الكواكبي على دراسة أسباب تخلف العرب علمياً وفكرياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، في محاولة منه لإيجاد مجتمع حر قادر على إنتاج إنسان حر متحرر من القيود، متحضر يحيط بقوة المعرفة والعلم والإدراك، لا مجتمع متفسخ يصدّر إنساناً ذليلاً، تتكالب عليه كل مؤسسات أنظمة الاستبداد بدءاً من الأسرة كنواة لمجتمع بطريركي ذكوري أبوي وليس انتهاءً بالمساجد التي ساهمت في جعل الإنسان العربي مطيعاً، جاهلاً، متكلاً، غير قادر على بناء نفسه فكيف ببناء وطن!.
والمتابع لحال بلداننا الآن، بعد هذه المسافة من زمن الكواكبي، يرى أن التشابه لا يطال فقط بنية الشعوب العربية، بل إنه يطال أنظمتها التي خرجت من الثكنات العسكرية بعيد الاستقلال عن الاستعمار الغربي، والتي نجحت في إفشال الانتقال إلى بناء دول حديثة لصالح بناء عائلة حاكمة وقوية تدير وتشرف على جميع ملفات بلدانها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية…، لتبدو هذه الأنظمة العربية وكأنها اتفقت فيما بينها على السير في ذات الطريق لتوطيد حكمها وإفشال أوطانها، فكان الاستبداد الذي تحدث عنه الكواكبي أحد أهم وسائلها في إلغاء الحياة السياسية والقضاء على المجتمع المدني، وتحويل الشعوب إلى مجرد رعايا قُصّر أبديّون عن أي تطوير أو تجديد، لنرث بلداناً ساكنة جامدة لا أفق فيها ولا أمل يرتجى منها.
ربما يمكننا القول بأن الحقبة العثمانية التي حاول الكواكبي فكفكتها اجتماعياً وتاريخياً ودينياً في معظم إنتاجاته، قد لعبت دوراً في بعض الإفرازات السيئة للحاضر العربي المعاصر، وربما أيضاً يمكن الحديث عن أن الدول الاستعمارية التي تقاسمت الإرث العثماني، قد ساهمت هي الأخرى بنوع من هذه الإفرازات السلبية، لكن كل هذا لا يعفينا كأنظمة وشعوب من تحمل مسؤولياتنا الوطنية أيضاً في ما نحن عليه من ضعف وهزال وتفتت وانقسامات، ففضلاً عن فشلنا في بناء الدولة الحديثة، ذهبنا أبعد من ذلك في الإغراق داخل مربّعاتنا الطائفية الأولى، لتغدو العلاقات القائمة على روابط الدم والمذهب والعشيرة المرجعية الأساس في الولاء دون أي اعتبار لقيمة الوطن الجامع.
والعودة إلى الانتماءات الضيقة لم تساهم في تعزيز فكرة الروابط الأهلية التقليدية وفرز هويات وانتماءات ما دون مفهوم الدولة الحديثة فحسب، بل ساهمت كذلك في إفراغ كل شكل طارئ للديمقراطية من محتواه، والمثال الأكثر وضوحاً هو ما رأيناه خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي حدثت في لبنان مؤخراً، إذ شاهدنا كيف يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى نوع من المعارك التقليدية ليس بين الطوائف فحسب بل داخل بنية الطائفة نفسها، وإلا كيف يمكننا فهم الانتصار الساحق لحزب الله وحركة أمل الشيعيين على نموذج علي الأمين كمثال في منتهى الوضوح؟
وهنا ينتقل الكواكبي إلى الحديث عن النفاق بالقول: « إن شيوع أخلاق النفاق والريبة والأثرة هي التي تشغل أسير الاستبداد بمصلحته القريبة »، بمعنى أن المصلحة الشخصية تتأتى على كل ما هو في الصالح العام، ليصبح المجتمع عموماً بسبب التفرد في الحكم وانتزاع السلطة، يمضي بشكل غريزي في خط النفاق الاجتماعي والسياسي الذي تتكرس معه كل أسباب الرجعية، التخلف، الارتماء في أحضان الغير، الرياء، والذل بين الناس.
وليس والحال هذه بالضرورة أن يكون الولاء داخلي فقط، إذ يمكن لهذا الأخير أن يتخطى الحدود الوطنية إلى ما هو إقليمي مثلاً، لنرى بوضوح التجربتان الصارختان في بلدان شرقنا الأوسط وهما إيران الخمينية وتركيا الأردوغانية، ففي ظل عجز السلطات المحلية العربية عن إيجاد دولة مؤسسات مدنيّة قادرة على تأطير المواطنين سياسياً واجتماعياً وفي ظل غياب هوية وطنية جامعة، أدركت إيران سهولة اختراق مجتمعاتنا العربية، باسم مفهوم « تصدير الثورة » الذي أطلقه الخميني بعد نجاح سلطته الإسلامية في إيران عام 1979، إذ لم تتوان عن التغلغل مبكراً في العديد من الدول العربية ليس مباشرة عبر استحضارها لتاريخ الصراع التاريخي بين آل البيت وصحابة النبي، بل عبر تبنيها لخط مقاومة إسرائيل، ذاك الخط الذي كان يلقى حماساً لدى الجماهير العربية بلا استثناء، الأمر الذي مهّد الطريق واسعاً أمام الأيديولوجية الإيرانية في مجتمعاتنا العربية، ليتمكن الفرس شيئاً فشيئاً من السيطرة على عدد من بلدان المنطقة، بل والقتال فوق أراضيها وعلى مرأى من المجتمع الدولي كله.
وعلى الجانب الآخر، لم تتوان تركيا أيضاً عن لعب دور مشابه للدور الذي تلعبه إيران في دول العرب، لا سيما بعد رفض دول الاتحاد الأوروبي دخول الأتراك في ناديهم، فقد وجد الأتراك في ثورات الربيع العربي مدخلاً واسعاً في جغرافية المنطقة لا يمكن أن تتغافل عنه، لا سيما وأن « العدو الشيعي الإيراني » جاهز لتبرير وتعزيز الحضور التركي « السني » في المنطقة، ليساهم الترك والفرس في تحويل مطالب ثورات الربيع العربي من التحرر والديمقراطية إلى صراع « مقدس » بين مذهبين لم يكن أصلاً على جدول أعمال ومطالب شعوب ثورات الربيع العربي إبان انطلاقتها 2011.

du-despotisme
ومن هنا، نجد أنه لا بد من الاعتراف أولاً بأننا كمجتمعات عربية لديها أزمة في تعريف الهويّة، لا سيما وأنها أُتخِمت خارجياً بولاءات طائفية ومذهبية مقدسة من الصعب تفتيتها وسط انخفاض مناسيب وعي الولاءات الوطنية لصالح ولاءات أخرى. ومن هذه الزاوية تحديداً، تأتي أهمية العودة إلى الكواكبي مجدداً، خصوصاً حين أسس لمشروع مقاومة الاستبداد عبر ثلاثة عناصر رئيسية هي، « الوعي، التدرج السلمي، وتهيئة البديل ». فقد أكد هذا المفكر التنويري على أهمية عدم مقاومة الاستبداد بالشدة وإنما « بتهيئة البديل »، لا سيما وأن المستبد يعمل بطريقة احترافية على تزييف وعي الجماهير لا يملكها من يتصدى لمقاومته.
رغم قسوة الظروف الحالية التي نعيشها كشعوب ومجتمعات، يمكن البحث عن بصيص أمل والقول بأن الفرصة ممكنة من أجل الانتقال إلى دول ديموقراطية وطنية تكون مواثيق وشرائع حقوق الانسان العالمية مرجعيتها، لكن لا بد والحال هذه من الاتكاء على « تهيئة البديل » الذي تحدث عنه الكواكبي والبدء فعلاً بخلق برامج ومشاريع بديلة تكون قادرة على إعداد وتأهيل انسان عربي مستعد لمثل هذا الانتقال المأمول، وهذا يستند بالدرجة الأولى إلى تغيير حقيقي وليس شكلياً بثقافتنا الجمعية وقدرتها على صنع دساتير عصرية، تستطيع تغيير وعي القاعدة الجماهيرية وفكرها وتعلي من قيمة العلم ولديها القدرة على بناء أوطان ندّيّة لبقية الدول، متفاعلة معها لا خاضعة لها ولأجنداتها ومشاريعها ومصالحها.
فالثابت اليوم، هو أن الشعوب العربية تعيش مرحلة فاصلة في تاريخها وفي هذه المراحل غالبا ما يكون التفكير في بدايات الغد أهم ما يمكن العمل على رسمه والتأسيس له الآن. لكن هذا لا يمكن من دون خلق مثل هذه المشاريع الثقافية والاقتصادية والسياسية، خصوصاً وأننا كشعوب عربية لم نحظ بفرصة العيش في ظل أنظمة ومجتمعات حرة وديمقراطية تسمح بحرية التفكير مثلما تسمح بالتداول السلمي للسلطة، فإذا كنا نريد لإنساننا العربي أن يكون مسؤولاً عن حياته ومستقبله ومستقبل وطنه، وأن يكون قادراً على المساهمة في الحضارة البشرية ككل، فلا بد من العمل منذ الآن على خلق مثل هذه المجتمعات الحرة والديمقراطية، حتى لو استغرق ذلك منّا وقتاً طويلاً وعملاً .شاقاً، لكن لا خيار أمامنا غير ذلك، أو نحن في طريقنا نحو الانقراض

 بشار عبود ـ كاتب سوري

 

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s